ثلاث أوراق مدرسيه متناثره
كتبهامهندس/ هشام نجار ، في 16 يونيو 2009 الساعة: 23:52 م
ثلاث أوراق مدرسيه متناثره
الورقه المدرسيه الأولى
هكذا كان الرجال
إخوتي وأخواتي
بين الحين والآخر اود ان امنحكم وأمنح نفسي إجازه من السياسه, آخذكم معي في رحله الى الماضي ايام الدراسه حيث كما تعلمون لا هم لدينا في حينها سوى الكتاب المدرسي واحبب به من هم…ومتعة اللعب بكرة القدم واحبب بها من رياضه…واكلة فلافل في شوارع المدينه مع الأصدقاء واحبب بها من أكله رخيصه لذيذه
اعزائي مع الورقه المدرسيه الأولى
كان والدي رحمه الله لا يعفينا من قراءة الكتاب الأدبي حتى في إجازة الصيف , فكان يختار لي كتابآ ادبيآ لأحد الكتاب العرب مثل المازني أو العقاد أوالمنفلوطي وغيرهم ويطلب مني في كل يوم أن أقرأ عشرين صفحه من هذا الكتاب ثم أقوم بتلخيصها في نصف صفحه فقط ,لإقرأها عليه في آخر السهره فيقوم بتقييمها وإبداء ملاحظاته عليها
كان برنامج والدي المسائي في الصيف على الشكل التالي:يصلي العصر بعد القيلوله, ثم يقضي إمسيته في مقهى صيفي قريب من بيتنا يقع على الشارع الرئيسي المسمى بشارع الرئيس شكري القوتلي حيث يجتمع مع اصدقائه في زاويه محجوزه لهم سلفآ بينما تكون ارجيلته جاهزه بالتنباك العجمي يرشفون كؤوس الشاي والزهورات بينما يدور الحديث بينهم حول السياسه او الهموم العائليه وخصوصآ هموم الأولاد والتي بدأنا نشعر بها بعد ان اصبحنا آباءآ . يؤذن الشيخ عمر مؤذن جامع ابو بكر الصديق المجاور للمقهى لصلاة المغرب فتنطلق المجموعه الى الجامع لتأدية صلاة المغرب ثم يكملون سهرتهم في المقهى قبل ان يعودون ثانية لأداء صلاة العشاء, وفي حوالي الساعه الحادية عشر ليلآ يعود والدي الى البيت ليبادرني بالسؤال التالي: هات ياهشام وريني الملخص فيقرأه فيعجب به. كنت اتقاضى على كل ملخص اكتبه نصف ليره سوريه في ذلك الوقت . فتحت لوالدي حسابآ هي صحيفه من دفتري علقتها على باب غرفة الجلوس اقوم بتسجيل ديوني على والدي ثم ابرزها له في اول كل شهر , شعرت حينها انني اصبحت رجل اعمال بحق وحقيق مع دفتر حسابات مضبوط اقول لوالدي: أبي العزيز جاء يوم الحساب فيأخذ ورقة الحساب مني ويقول لي مازحآ معقول كل هذه المبالغ تراكمت علي ياهشام؟ فأقول له تكرم دقنك ياسين افندي( وكنا نمازحه كثيرآ) سأعمل لك خصم خاص كما تفعل الدول الكبرى فتسقط على دول المدينه نصف ديونها هات عشرة ليرات بس شو رأيك بهذا العرض…؟ فيضحك الوالد مسرورآ بهذه التسهيلات الميسره ولكنه كان يعوضها لي اضعافآ مضاعفه في مناسبات أخرى
إخوتي وأخواتي هكذا كان الرجال فهل تعود أيام الرجال…
جرت هذه القصه معي في يوم 22 شباط / فبراير عام 1961
سيقول بعضكم متعجبآ من ذاكرتي القويه!:معقول ياهشام تحفظ تاريخ ما لحادثه مضى عليها ثمان وأربعين عامآ ؟
اجيب على هذا السؤال الإفتراضي بنعم فتاريخ 22 شباط / فبراير يصادف عيد الوحده بين سوريا ومصر وهو يوم عطله رسميه كما ان ماحصل لي في ذلك اليوم مازال عالقآ في ذاكرتي
قرائي الأعزاء في ذلك العام كنت طالبآ في الثانويه السنه النهائيه وكنت واصدقائي ننتظر مثل هذه الإحتفلات بفارغ الصبر لنبتعد عن جدية المدرسه ولو ليوم واحد ,إضافة إلى ان هذه الإحتفلات كان لها طابع خاص زاد عليها مسحة مصريه فنيه وهم كما تعلمون كانوا ومازالوا قمة في الفنون بتنظيم عروض المسرحيات اوالحفلات الفنيه والتي كان يحييها فنانوا أيام زمان امثال عبد الحليم حافظ , صباح, فايده كامل, محمد قنديل , محمد طه, فايزه اححمد وغيرهم, كانت لجنة الإحتفالات تنظم عروضآ نهاريه أيضآ لحافلات مزينه بشكل جذاب اما في الليل فتنصب المايكروفونات بكل شوارع المدينه المضاءه بآلاف المصابيح الكهربائيه ينقلون للناس في الشوارع حفلة أضواء المدينه والتي تستمر وقائعها حتى الفجر , بينما تمتلئ السماء بالشهب الناريه حتى ساعه متأخره من الليل فتبدو حلب وكأنها قد هجرت ليلها واستقبلت نهارها من كثرة الأضواء وزحمة الناس من كل اطياف البشر وانا واصدقائي كنا جزءآ من هذه الزحمه نروح ونغدو في هذه الشوارع نقضي امسيتنا بعيدين عن الدراسه بينما المسليات والمكسرات والسندويش مع النكات والتعليقات على بعضنا هو زادنا لتلك الليله
كان ضمن برنامج الإحتفاليه ان تقوم طائرات مروحيه بإلقاء مئات الآلاف من اعلام الجمهوريه العربيه المتحده فوق المدينه مع دعاية في الإذاعات بأن من ضمن هذه المئات الألوف من الأعلام يوجد خمس اعلام فقط موقعه من قبل الراحل المشيرعبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهوريه العربيه المتحده والقائد العام للقوات المسلحه
ومن يعثر على علم موقع من سيادته فسيحصل على إجازه لمده إسبوع في القاهره مدفوعة التكاليف من إقامه وتسليه وتنقل على حساب القوات المسلحه
اعزائي عليكم ان تتصوروا (هذا الكرم الحاتمي!) خمس اعلام فقط من بين مئات الألوف من الأعلام فوق مدينة كبيره وبكل تضاريسها وشعبها(بضم الشين وفتح العين) وحاراتها واسطحة ابنيتها.. يعرضون عليك هذا العرض (السخي) بالبحث عن علم واحد فقط موقع من سيادة المشير عامر حتى تدوخ السبع دوخات وانت تلف في شوارع المدينه تنكش كل شيئ تصادفه أمامك بحثآ عن هذا( الكنز الثمين) لقد كانت هذه المهمه اصعب من ان تبحث عن إبرة مفقودة في كومة قش كبيره
إخوتي وأخواتي
اصرت مجموعه من هذه الأعلام على إغرائي متراقصة أمامي بخفة ورشاقه مزكية فضولي فألتقطت إحداها وهنا كانت المفاجأه الكبيره لي فلقد كان هذا العلم موقعآ من المشير عبد الحكيم
كدت في ذلك اليوم ان اطير من الفرح. زففت الخبر للأهل ففرحوا لفرحي وتمنى أصدقائي لو انهم كانوا من المحظوظين
وفي اليوم الثاني إتصل والدي بالقاعده الجويه قرب حلب, رد عليه الضابط المناوب مهنئآ وطلب من والدي رقم هاتف بيتنا حتى يرد عليه بعد ان يعرض الأمرعلى مدير القاعده , وبعد إنتظار يوم آخر حسبته شهرآ جاءنا الجواب التالي : إحتفظوا بالعلم وسنتصل بكم بعد ان تجتمع الأعلام الأربعه الأخرى المفقوده ثم نستدعي هؤلاء سعداء الحظ لترتيب سفرهم إلى القاهره وألف مبروك….مبروك على إيــــــه؟ ….مبروك على إيــــــه؟؟
إنقلبت فرحتي إلى صدمه, فهذه كانت اول تجربة لي مع الحكام , بدأت اكلم نفسي كيف بإمكان هؤلاء الحكام ان يغشوا وبكل بساطه طالبآ فتيآ مازالت كتبه المدرسيه مملؤه بالمثل العليا من شواهد قرآنيه وأحاديث نبويه وامثلة شعبيه تتكلم كلها عن الإفاء بالعهود؟ وكيف بإمكان هؤلاء الحكام ان يغشوا وبكل بساطه طالبآ فتيآ وبعضآ من كتبنا المدرسيه محشوة بكيل المديح للحكام وصدقهم في تنفيذ وعودهم لشعوبهم!؟
حاول والدي ووالدتي تخفيف أثر ذلك علي , ومع مرور الوقت بدأت هذه الحادثه تخبو من ذاكرتي ولكنها لم تنمح او تزول رغم مرور ثمان واربعين عامآ عليها
وختامآ اوجه إلى اخوتي وأخواتي هذا النداء من على الإنترنت: ياسامعين الصوت في كل حدب وصوب من وجد منكم اربع اعلام للجمهوريه العربيه المتحده موقعه من المشير عبد الحكيم عامر نائب رئيس الجمهوريه والقائد العام للقوات المسلحه اسقطت فوق مدينتي حلب منذ ثمان واربعين عامآ فليرسل لي إيميلآ على وجه السرعه لتجديد المطالبه بحقنا بقضاء إجازتنا الصيفيه معآ في ربوع مصر على حساب السيد المشير و "إن الله لايضيع أجر من أحسن عملا
مع تحياتي
المصيده
الشائع لدى بعض الناس انهم لا يستطيعون التلفظ بحرف من الحروف مما يضطرون لإستبداله بحرف قريب منه وتدعى هذه الحاله باللغة العربيه باللثغة كلفظ الراء غين او السن ثاء. والحقيقه ان هذا الإستبدال ليس سيئآ بل هو مقبولآ للمستمعين ومستصاغآ ولا عيب فيه إطلاقآ, الا ان صديقنا احمد كان يحاول إخفاء هذه الظاهره في الكلام مبتعدآ بتكلف شديد ومرهق عن التلفظ بحرف السين حتى لا يلفظها ثاءآ
الا ان إن إنتصار احمد القاطع على شلة الاصدقاء لم يمنع من خسارته امام أستاذ اللغه العربيه. حصل ذلك بصدفة غريبه وغير متوقعه… فماذا حصل؟
ولما وصل الدورعلى اخينا احمد سار إلى طاولة الأستاذ بكل ثقه وادخل يده بالكيس بثقة اكبر واخرج إحدى الورقات المطويه وسلمها للأستاذ بثقة اكبر واكبر, ثم جاءت المفاجأه عندما قال الأستاذ اسمعنا ياأحمد خمسة ابيات من سينية البحتري والتي مطلعها
صنت نفسي …. وكما هو معروف فإن هذه القصيده تنتهي ابياتها بحرف السين إضافة الى تكرار حرف السين في ابياتها بشكل ملفت للنظر
فلم يجد احمد مناصآ من إلقائها وسط إبتسامات المشاغبين الماكره
فكان الإلقاء على الشكل التالي
وَتَماسَكْتُ حَينُ زَعزَعني الدّهْــرُ التماساً منهُ لتَعسِي وَنُكسي
ولما خرجنا إلى الباحه كان المشاغبون يصرخون امام أحمد:إنتصرنا… إنتصرنا
الا ان الامور إنتهت بسلام ثم دعانا الأصدقاء مساءآ على صحن ايس كريم وعاد الجميع اصدقاء كأن شيئآ لم يكن
مع تحياتي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























